محمد حسين علي الصغير

236

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

وغروبها ، ولا الليل والنهار في يوم واحد ، بل المراد زمان الجزاء كله باستطالة آناته وتعدّد أوقاته ، وهو يوم له مشاهده التي لا تحد بزمن ، وبه مواقف يتلاشى معها الزمان ، وعليه امتدادات يتسع معها الوقت ، وحسابه ليس كحسابنا ، وتوقيته ليس كتوقيتنا ، بل هو كما عبّر عنه القرآن : وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 1 » . وهذا مجرد اليوم عند اللّه ، فما قولك بيوم القيامة الذي تتواكب أزمانه لحساب الخلائق أجمعين ، فلو كان يوما محدودا بالطلوع والغروب ، أو المشرق والمغرب ، أو النهار في مقابل الليل ، أو الليل والنهار معا لما كان لهذا التهويل والعدّ والحصر والتفاوت والتعظيم أيّ مدرك زمني متطاول ، ولكان يوما من الأيام يذهب ولا يعود كما تذهب أيامنا في الحياة الدنيا بددا ، وحسبك في نموذجه قوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) « 2 » . وهذا اليوم بشدائده وأحكامه ، وكثرة غرائبه وعجائبه ، وهو مطلعه ورؤيته ، من أركان الشريعة الغراء ، فهو أصل من أصول الدين إلى جنب التوحيد والنبوة ، وهو من الغيب الذي آمنا به تصديقا وإذعانا ، إذ لا تستقيم العقيدة الحقّة إلا بالايمان به إيمانا مطلقا ، لأنه من مظاهر العدل الإلهي من جهة ، ومرصد من مراصد الاعجاز الخلقي تارة أخرى ، ومرقب من مراقب الملك الآلهي المطلق ، الدائم ، الأبدي ، السرمدي . فلا غرابة أن ينظر إليه الاستفهام التعجبي مكررا ومتواترا في قوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ( 19 ) « 3 » . لأن ملك ذلك اليوم هو الملك الحقيقي الثابت الذي لا يحول ولا يزول ، فهو ليس من سنخ ما نملك في التصرف الضيّق المحدود ، فليس للخلق جميعا في ملكهم إلّا حق الاختصاص المجرد ما داموا أحياء ، في معنى اعتباري سخره اللّه تعالى لتنظيم شؤون الحياة ، واستثمار الأرض ، واستقرار الكون ، فهو إباحة بلطفه

--> ( 1 ) سورة الحج : 47 . ( 2 ) المعارج : 4 . ( 3 ) سورة الانفطار : 17 - 19 .